حصيلة
مجتمع

ستارلينك تقترب والجيل الخامس ينطلق.. لكن الداتا التي تبدو رخيصة تلتهم من جيب المغربي أضعاف ما تأخذه من جاره الأوروبي

بينما تقترب ستارلينك من السوق وينتشر الجيل الخامس، تكشف الأرقام مفارقة: ثمن الجيجابايت في المغرب من الأرخص عالميا، لكنه يقتطع من دخل الفرد نحو 11 ضعفا مقارنة بإسبانيا و36 ضعفا مقارنة بفرنسا، ما يطرح السؤال عمّن سيستفيد فعلا من هذه القفزة.

بعد سنوات من الترقّب، باتت خدمة الإنترنت الفضائي ستارلينك (Starlink) على عتبة السوق المغربي. فقد سجّلت شركة سبيس إكس فرعها المحلي "Starlink Internet Services Morocco" بالدار البيضاء، وحصلت على رخصة استغلال من المكتب الوطني لتقنين المواصلات، لتصبح الخدمة قانونية مع مطلع مارس 2026 ضمن استراتيجية "المغرب الرقمي 2030"، بعد مرحلة تحضيرية ونظام حجز رمزي بتسعة دولارات. وتشير التقديرات المتداولة إلى اشتراك شهري يناهز 350 درهما مقابل تجهيز أوّلي يبلغ نحو 3.500 درهم للطبق الثابت، فيما تُعرض النسخة المحمولة "ستارلينك ميني" بنحو 2.890 درهما للعتاد و400 درهم شهريا، بسرعات تتراوح بين 100 و250 ميغابت في الثانية، دون التزام تعاقدي. غير أن هذا الوصول لم يكن سلسا؛ فالمتعاملون الثلاثة التاريخيون — اتصالات المغرب وإنوي وأورنج المغرب — ينظرون إلى الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية كتهديد لنموذجهم، ويبقى الترخيص النهائي مشروطا بموافقات المكتب والمديرية العامة لأمن نظم المعلومات، فيما يُنتظر أن تحصل شركة "ون ويب" بدورها على رخصة مماثلة.

أمّا على الأرض، فقد دخل المغرب رسميا عصر الجيل الخامس يوم السابع من نونبر 2025، في إطلاق متزامن للمتعاملين الثلاثة شمل أكثر من 100 مدينة و135 عمالة وإقليما. وكانت رخص 5G قد مُنحت في يوليوز 2025 بمقابل إجمالي بلغ 2,1 مليار درهم: حصلت اتصالات المغرب على حزمة 120 ميغاهرتز لقاء 900 مليون درهم، فيما اقتسمت إنوي وأورنج المغرب حزمتين من 70 ميغاهرتز لكلٍّ منهما مقابل 600 مليون درهم، لمدة 20 سنة قابلة للتجديد. وتفرض دفاتر التحمّلات شمول 25 في المائة من السكان نهاية 2025، ثم 45 في المائة في 2026، وصولا إلى 85 في المائة بحلول 2030، في توقيت تتهيّأ فيه المملكة لاحتضان كأس إفريقيا وتنظيم كأس العالم 2030.

ثمن رخص الجيل الخامس: 900 مليون درهم لاتصالات المغرب مقابل 600 مليون لكل من إنوي وأورنج. المصدر: مكتب الضبط ANRT.
ثمن رخص الجيل الخامس: 900 مليون درهم لاتصالات المغرب مقابل 600 مليون لكل من إنوي وأورنج. المصدر: مكتب الضبط ANRT.

وفي مفارقة قد تفاجئ كثيرين، فإن الداتا المتنقلة في المغرب ليست غالية بمقاييس السعر المعلن، بل من بين الأرخص في العالم. فبحسب بيانات Cable.co.uk، يبلغ متوسط ثمن الجيجابايت الواحد نحو 0,60 دولار، أي أرخص ممّا هو عليه في البرتغال (1,79 دولار) أو جنوب إفريقيا (1,81) أو تونس (1,28) أو الجزائر (0,73)، وقريب من إسبانيا (0,48) وتركيا (0,44)، وإن ظل فوق فرنسا (0,20)، في حين يبلغ المتوسط العالمي 2,61 دولار. وليس هذا مجرد رقم على الورق؛ فمتوسط استهلاك المغربي من الداتا قفز إلى 14 جيغابايت شهريا سنة 2025 مقابل 12 سنة 2024، بنمو 21,1 في المائة، بينما تتراجع المكالمات الصوتية (ناقص 15,1 في المائة إلى 58 دقيقة شهريا للمشترك) والرسائل القصيرة (ناقص 16,5 في المائة). الطلب إذن قائم ويتسارع.

على الورق، يُعد ثمن الجيجابايت في المغرب من الأرخص بين دول الجوار والمنطقة. المصدر: Cable.co.uk 2023.
على الورق، يُعد ثمن الجيجابايت في المغرب من الأرخص بين دول الجوار والمنطقة. المصدر: Cable.co.uk 2023.

لكن السعر المعلن يخفي الوجه الحقيقي للكلفة حين يُقاس بالدخل لا بالدولار. فالجيجابايت نفسه الذي يكلّف 0,60 دولار يقتطع نحو 0,19 في المائة من الدخل الشهري للفرد المغربي، مقابل 0,017 في المائة فقط في إسبانيا و0,005 في المائة في فرنسا. بعبارة أوضح: العبء الذي تمثّله الداتا على جيب المغربي يفوق نظيره الإسباني بنحو 11 ضعفا، والفرنسي بنحو 36 ضعفا، والتركي بخمسة أضعاف تقريبا، والبرتغالي بمرتين ونصف. والسبب بنيوي: الدخل القومي للفرد في المغرب لا يتجاوز 3.760 دولارا، والحد الأدنى للأجر يناهز 2.970 درهما شهريا، فما يبدو "زهيدا" بمعيار خارجي يصبح ثقيلا داخليا. هنا، لا في خانة السعر المطلق، يكمن السؤال الحقيقي حول العدالة الرقمية.

قياسا بالدخل يثقل العبء: الجيجابايت يقتطع من دخل المغربي أضعاف ما يقتطعه من الإسباني أو الفرنسي، وإن ظل أخفّ من تونس وجنوب إفريقيا ومصر. المصدر: Cable.co.uk والبنك الدولي.
قياسا بالدخل يثقل العبء: الجيجابايت يقتطع من دخل المغربي أضعاف ما يقتطعه من الإسباني أو الفرنسي، وإن ظل أخفّ من تونس وجنوب إفريقيا ومصر. المصدر: Cable.co.uk والبنك الدولي.

وفي ضوء هذه المعادلة، تبدو ثقافة "التعبئة برموز النجمة" انعكاسا لبنية المستهلك أكثر منها عيبا في حد ذاتها. فعرض الإنترنت اليومي *3 يمنح 500 ميغابايت مقابل خمسة دراهم بصلاحية تتراوح بين يوم وأسبوع، ويتوجّه *6 إلى مستعملي مواقع التواصل، بينما يجمع *2 بين المكالمات والإنترنت، وتنطلق بعض باقات إنوي من 49 درهما. هذه التعبئة الصغيرة المتكرّرة ليست خيارا عشوائيا، بل طريقة قاعدة عريضة — يمثّل الدفع المسبق نحو 86 في المائة من أسطول المحمول — في إدارة ميزانية ضيّقة: الثمن المنخفض للجيجابايت لا يتحقق فعليا إلا في الباقات الكبيرة التي لا يقتنيها الجميع، فيما تدفع التعبئات الصغيرة كلفة أعلى نسبيا للجيجابايت. ومتوسط الـ14 جيغابايت المرتفع نفسه يخفي تفاوتا واسعا: فمستعملو الدفع المسبق، وهم الأغلبية، أقل استهلاكا بكثير من مشتركي الدفع البعدي الذين يرفعون المعدل.

لقطة سوق: متوسط استهلاك مرتفع وإقبال سريع على 5G مقابل عرض دخول لا يتجاوز خمسة دراهم. المصدر: مكتب الضبط والمتعاملون.
لقطة سوق: متوسط استهلاك مرتفع وإقبال سريع على 5G مقابل عرض دخول لا يتجاوز خمسة دراهم. المصدر: مكتب الضبط والمتعاملون.

من هنا يُطرح السؤال التجاري الأحرج: هل المغرب في حاجة فعلية إلى الجيل الخامس فيما تعتمد قاعدة عريضة من مستعمليه على تعبئات صغيرة متكررة بالدفع المسبق؟ دفع المتعاملون 2,1 مليار درهم وبنوا أكثر من 9.000 محطة إرسال، لكن سرعات الجيجابت لا تعني الكثير لمن لا يستهلك سوى ميغابايتات معدودة في اليوم. الجواب المرجّح أن رهان 5G ليس على المستخدم الوسيط بل على قمّة السوق: المدن الكبرى، المقاولات، استضافة المونديال، والإنترنت المنزلي اللاسلكي الثابت (5G Home) الذي يُعرض من 299 درهما شهريا كبديل عن النحاس. وتدعم الأرقام هذا الرهان جزئيا، إذ بلغ عدد مشتركي الجيل الخامس 2,63 مليون بعد شهرين فقط من الإطلاق، مع تغطية تناهز 38 في المائة من السكان، فيما أتاح أورنج وإنوي الخدمة مجانا لزبنائهما الحاليين، وبدأت اشتراكات اتصالات المغرب من 119 درهما.

وفي الإنترنت المنزلي، شهد ربيع 2025 موجة إصلاح لافتة. ففي أبريل ضاعفت اتصالات المغرب وأورنج صبيب الفايبر تلقائيا لزبنائهما دون رفع الفاتورة، فمن كان يؤدّي 500 درهم مقابل 100 ميغابت أصبح يحصل على 200 ميغابت بالثمن نفسه؛ ومع فاتح ماي دخلت شبكة تعريفية جديدة يبدأ فيها عرض الدخول عند 400 درهم ويرتقي العرض الأعلى إلى صبيب 1 جيجابت مقابل 1.000 درهم. أمّا إنوي فخفّضت أثمنتها: 50 ميغابت إلى 299 درهما بدل 349، و100 ميغابت إلى 349 بدل 449، و200 ميغابت إلى 449 بدل 649، مع 200 درهم لمصاريف التركيب ومثلها للمودم.

الفايبر بشبكة إنوي نموذجا: تراجع الاشتراك الشهري لمختلف الصبيبات بعد أبريل 2025. المصدر: عروض المتعاملين.
الفايبر بشبكة إنوي نموذجا: تراجع الاشتراك الشهري لمختلف الصبيبات بعد أبريل 2025. المصدر: عروض المتعاملين.

وتعكس أرقام مرصد المكتب حجم هذا التحوّل: بلغ أسطول اشتراكات الإنترنت 41,46 مليون نهاية 2025 بارتفاع 3,09 في المائة، وبنسبة نفاذ تجاوزت 112 في المائة، فيما ناهز عدد مشتركي الهاتف المحمول 59 مليونا. وداخل الإنترنت الثابت تتسارع المقايضة: قفز الفايبر FTTH إلى 1,41 مليون اشتراك بنمو 32,9 في المائة، بينما تراجع النحاس ADSL إلى 1,44 مليون بانخفاض 9,2 في المائة. ويطمح المكتب إلى رفع عدد المنازل المؤهلة للفايبر من حوالي 1,5 مليون منزل سنة 2022 إلى 5,6 ملايين في أفق 2030.

الفايبر يطيح بالنحاس: أسطول الإنترنت الثابت نهاية 2025. المصدر: مرصد مكتب الضبط للإنترنت.
الفايبر يطيح بالنحاس: أسطول الإنترنت الثابت نهاية 2025. المصدر: مرصد مكتب الضبط للإنترنت.

غير أن هذا التحديث يصطدم بإرث ثقيل. فقد ظلّ سوق الخط الثابت والنحاس شبه حكر على الفاعل التاريخي اتصالات المغرب، وفي يناير 2020 غرّمه مكتب الضبط بمبلغ قياسي بلغ 3,3 مليار درهم بسبب "إساءة استغلال وضع الهيمنة"، بعد سلوكات تراكمية منذ 2013 عرقلت ولوج المنافسين إلى التفكيك (dégroupage)، قبل أن يحدّد لاحقا غرامة تهديدية بـ2,45 مليار درهم. ولتفادي تكرار أخطاء حقبة النحاس، فرض المكتب في مارس 2025 قواعد جديدة لتقاسم البنية التحتية للفايبر بين المتعاملين عبر "المشاركة السلبية"، حيث يمكن لخيط واحد، انطلاقا من نقطة تجميع، أن يخدم حتى 64 منزلا وفق منطق تقنية GPON.

وفي البلدات الصغيرة والقرى، حيث يضعف عرض الفاعلين، طوّر السكان نسختهم الخاصة من هذا المنطق. فقد ينطلق اشتراك فايبر واحد من حيٍّ مجهّز داخل بلدة صغيرة ليُعاد توزيعه — عبر كابلات تُمدّ أو مقوّيات إشارة وأجهزة واي فاي — على دواوير ومنازل مجاورة لا تصلها الألياف أصلا. وحتى حين تتوفر التغطية، يلجأ خمسة أو ستة جيران إلى تقاسم اشتراك واحد لتقسيم الفاتورة: عرض بـ300 إلى 500 درهم شهريا يتحوّل إلى ما بين 50 و80 درهما للأسرة الواحدة. هذه الصيغة المنزلية من "النقطة إلى عدة نقاط" (point-to-multipoint) تحاكي تقنيا منطق التقاسم الذي تعتمده الشبكة الرسمية، لكنها تجري خارج إطار المتعامل، وتزدهر تحديدا حيث يتقاطع غياب العرض مع ضيق الدخل.

في البلدات الصغيرة، يوزّع هوائي لاسلكي مثبّت فوق سطح واحد اتصالا منفردا على منازل عدة لتقسيم الكلفة — منطق "النقطة إلى عدة نقاط" (P2MP). صورة توضيحية.
في البلدات الصغيرة، يوزّع هوائي لاسلكي مثبّت فوق سطح واحد اتصالا منفردا على منازل عدة لتقسيم الكلفة — منطق "النقطة إلى عدة نقاط" (P2MP). صورة توضيحية.

وهنا يعود السؤال إلى ستارلينك: هل ستجد قاعدة زبناء أم ستبقى منتجا متخصصا؟ باشتراك يناهز 350 درهما شهريا وتجهيز بآلاف الدراهم، تقف الخدمة فوق سعر الفايبر (250–300 درهم في المدن) وأضعافَ ما ينفقه مشتري "الخمسة دراهم". المرجّح أن سوقها الأول لن يكون المدن المكتظة بل المناطق المعزولة والمقاولات والمواقع التي يصعب ربطها أرضيا، حيث تنعدم البدائل، قبل أن يتسع نطاقها إن تراجعت الأسعار. وبين قفزة العرض — أقمار في السماء وجيل خامس في المدن وفايبر يطيح بالنحاس — وقاعدةِ طلبٍ يكبحها الدخل لا التقنية، يبقى الرهان الأهم بسيطا: مَن يخفّض الكلفة الفعلية للداتا، لا مَن يرفع سرعتها فحسب، هو من سيكسب المستهلك المغربي.