حصيلة
اقتصاد

من الصخرة إلى البطارية.. كيف يحوّل المغرب فوسفاطه إلى ورقة قوة في سباق الطاقة العالمي

المملكة تحتضن أكثر من 70 في المائة من احتياطي الفوسفاط في العالم، وتستقطب اليوم نحو 10 مليارات أورو من رساميل سلسلة البطاريات الكهربائية، في تحول من تصدير المادة الخام إلى صناعة القيمة المضافة.

لطالما وُصف الفوسفاط بأنه "الذهب الأبيض" للمغرب، لكن دوره لم يعد محصورا في تغذية حقول العالم بالأسمدة. فمع تسارع التحول نحو السيارات الكهربائية، تحوّل هذا المعدن الذي تختزن المملكة منه الحصة الأكبر عالميا إلى مادة استراتيجية في صناعة البطاريات، وبات ورقة قوة تعيد رسم موقع المغرب في الاقتصاد الصناعي العالمي. وما كان يُصدَّر صخرة خاما يتجه اليوم إلى أن يتحول داخل البلاد إلى مكوّنات ذات قيمة مضافة عالية، في مسار تراهن عليه الدولة لتثبيت موقعها داخل سلاسل القيمة الكبرى بدل البقاء على هامشها.

ويكفي النظر إلى خريطة الاحتياطي العالمي لإدراك حجم هذه الورقة. فبحسب هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، يبلغ احتياطي المغرب من صخور الفوسفاط نحو 50 مليار طن، أي أكثر من 70 في المائة من الاحتياطي العالمي المؤكد، في فارق هائل عن أقرب المنافسين: الصين بنحو 3,4 مليار طن، ثم مصر بـ2,8 مليار طن، فالجزائر بحوالي 2,2 مليار طن. هذا التفوق لا يضع المغرب في مرتبة متقدمة فحسب، بل يجعله فاعلا يصعب تجاوزه في أي معادلة مستقبلية للأمن الغذائي والطاقي العالمي.

احتياطي الفوسفاط الخام عبر العالم بالمليار طن: المغرب 50 مقابل أرقام متواضعة لباقي الدول. المصدر: هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
احتياطي الفوسفاط الخام عبر العالم بالمليار طن: المغرب 50 مقابل أرقام متواضعة لباقي الدول. المصدر: هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.

وتترجم هذه الثروة الجيولوجية إلى ثقل صناعي وتجاري حقيقي. فالمكتب الشريف للفوسفاط يُعد أكبر مصدّر للفوسفاط ومشتقاته في العالم، ويستحوذ على ما يناهز 31 في المائة من السوق العالمية لمنتجات الفوسفاط. وقد عرف نشاطه طفرة ملحوظة خلال 2025؛ إذ بلغت مداخيله في النصف الأول نحو 52,16 مليار درهم (حوالي 5,7 مليار دولار) بارتفاع 21 في المائة على أساس سنوي، قبل أن تتجاوز حصيلة الأشهر التسعة الأولى 9 مليارات دولار. وارتفعت مداخيل الصخور الفوسفاطية وحدها بأكثر من 112 في المائة بالعملة المحلية، فيما سجلت صادرات الفوسفاط ومشتقاته نحو 55,18 مليار درهم في الأشهر السبعة الأولى من السنة بزيادة 20,9 في المائة.

ولا تقف الطموحات عند تصدير المادة الأولية. فالمكتب يخوض برنامجا استثماريا ضخما يندرج ضمن استراتيجيته للاستثمار الأخضر 2023-2027، يرصد بموجبه نحو 4,54 مليار دولار سنة 2025، و5,25 مليار دولار سنة 2026، و4,25 مليار دولار سنة 2027، بهدف رفع قدرته الإنتاجية من حلول التغذية النباتية من 16 إلى 19 مليون طن في أفق 2027، مع توجيه جزء كبير من هذه الأموال نحو الطاقات المتجددة وتحلية مياه البحر لتقليص الضغط على الموارد المائية والطاقية.

البرنامج الاستثماري للمكتب الشريف للفوسفاط بالمليار دولار بين 2025 و2027. المصدر: المكتب الشريف للفوسفاط.
البرنامج الاستثماري للمكتب الشريف للفوسفاط بالمليار دولار بين 2025 و2027. المصدر: المكتب الشريف للفوسفاط.

هنا تحديدا يبرز الرهان الأكبر. فبطاريات ليثيوم-حديد-فوسفاط، المعروفة اختصارا بـ"LFP"، تعتمد على الفوسفاط مادةً أساسية، وقد انتقلت حصتها في سوق السيارات الكهربائية عالميا من 34 في المائة سنة 2022 إلى 39 في المائة سنة 2024، في مسار تصاعدي مرشح للاستمرار بفضل كلفتها الأقل وأمانها الأعلى مقارنة بالكيمياء المعتمدة على النيكل والكوبالت. وبذلك يتحول الفوسفاط المغربي من مجرد مدخل للأسمدة إلى عنصر محوري في صناعة تنقّل المستقبل، مع ميزة جغرافية وتجارية مزدوجة تتيح للمغرب خدمة السوقين الأمريكية والأوروبية انطلاقا من اتفاقيات التبادل الحر وقربه من أوروبا.

حصة بطاريات ليثيوم-حديد-فوسفاط في سيارات العالم الكهربائية: من 34% سنة 2022 إلى 39% سنة 2024. المصدر: أبحاث السوق.
حصة بطاريات ليثيوم-حديد-فوسفاط في سيارات العالم الكهربائية: من 34% سنة 2022 إلى 39% سنة 2024. المصدر: أبحاث السوق.

وقد التقطت الشركات الصينية هذه المعادلة مبكرا. فقد أعلنت ست شركات صينية كبرى عن استثمارات تناهز 10 مليارات أورو في المغرب لبناء سلسلة بطاريات متكاملة، أبرزها مجموعة "غوشن" التي تقيم بالقنيطرة أول مصنع عملاق للبطاريات في إفريقيا باستثمار إجمالي يقارب 6,5 مليار دولار، مع إطلاق مرحلة أولى بطاقة 20 جيغاواط/ساعة في 2026. كما دخلت شراكة "CNGR" مع المجموعة الملكية "المدى" عبر شركة "COBCO" بالجرف الأصفر باستثمار ملياري دولار، حيث انطلق الإنتاج فعليا منذ يونيو 2025 ليكون أول مشروع صيني لسلسلة بطاريات الطاقة الجديدة يدخل الخدمة في القارة الإفريقية، بطاقة تبلغ 120 ألف طن من سلائف النيكل-منغنيز-كوبالت و60 ألف طن من كاثودات الفوسفاط سنويا. ويضاف إليهما مصنع "BTR" بطنجة باستثمار 849 مليون دولار، ومشروع "هاي ليانغ" بنحو 288 مليون دولار.

أبرز استثمارات سلسلة البطاريات الصينية في المغرب بالمليار دولار. المصدر: إعلانات الشركات والصحافة.
أبرز استثمارات سلسلة البطاريات الصينية في المغرب بالمليار دولار. المصدر: إعلانات الشركات والصحافة.

ويكمن جوهر هذا التحول في بناء سلسلة قيمة مندمجة فوق التراب الوطني، تمتد من صخرة الفوسفاط إلى حمض الفوسفوريك المنقّى، فكاثودات البطاريات، وصولا إلى تجميع الخلايا. فبدل تصدير المادة الخام بأبخس الأثمان واستيراد المنتج النهائي بأضعافها، يسعى المغرب إلى احتجاز القيمة المضافة في الداخل عبر مصانع للسلائف والكاثودات والمصعد والكهرل وتكرير الليثيوم. وهذا الاندماج لا يعني فقط مداخيل أكبر، بل فرص شغل صناعية ونقلا للتكنولوجيا وموقعا يصعب على سلاسل الإمداد العالمية للسيارات الكهربائية أن تتجاوزه.

غير أن ترسيخ هذا الموقع يظل رهينا بتجاوز عدة تحديات موضوعية. فصناعة الكاثودات والأسمدة معا تستهلك كميات كبيرة من الماء والطاقة في بلد يعاني توالي سنوات الجفاف، وهو ما يفسر رهان المكتب على التحلية والطاقات المتجددة. كما أن منطق "تجاوز الرسوم الجمركية" الذي يقود الشركات الصينية إلى المغرب قد يجعل هذه الاستثمارات نفسها هدفا لتدقيق متزايد من واشنطن وبروكسيل بشأن منشأ المكونات وحجم الحضور الصيني في سلاسل التوريد. ويبقى السؤال الأهم متعلقا بحجم القيمة التي ستُحتجز فعليا داخل النسيج الصناعي المغربي، بدل أن يقتصر الدور على توفير قاعدة تجميع وتصدير. وبين وفرة المورد وطموح التصنيع، يلعب المغرب ورقة فوسفاطه في سباق عالمي على الطاقة النظيفة، حيث لم تعد الثروة في باطن الأرض وحدها كافية، بل في القدرة على تحويلها إلى صناعة وتكنولوجيا وسيادة.