وضع مؤشر التصنيع الإفريقي 2025 الصادر عن البنك الإفريقي للتنمية المغرب في صدارة الاقتصادات الصناعية بالقارة، بعد أن تجاوز جنوب إفريقيا التي ظلت لسنوات طويلة تتقدم الترتيب. ويغطي المؤشر تطور الأداء الصناعي في 54 بلدا إفريقيا خلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2024، ويقيس مسارات التصنيع عبر مؤشرات مرتبطة بالقيمة المضافة الصناعية، الصادرات، تنويع الإنتاج، وحجم التقدم المحقق في تحديث النسيج الإنتاجي.
وبحسب المعطيات المنشورة من طرف البنك، سجل المغرب في سنة 2024 درجة 0.8415 مقابل 0.8396 لجنوب إفريقيا، وهي فجوة صغيرة رقميا لكنها مهمة من حيث الدلالة الاقتصادية. ويربط التقرير هذا التحول بتراكم سياسات صناعية امتدت لأكثر من عقد، وبنمو قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى مثل صناعة السيارات، الطيران، الإلكترونيات، الصناعات الغذائية، والطاقات المرتبطة بسلاسل التوريد الجديدة. كما يشير إلى أن المملكة استفادت من بنية تحتية لوجستية ومينائية متقدمة، وموقع قريب من السوق الأوروبية، وقدرة أكبر على جذب الاستثمار الصناعي.
ولا يقدم التقرير صورة وردية بالكامل عن التصنيع الإفريقي. فالبنك الإفريقي للتنمية يؤكد أن القارة ما زالت تمثل أقل من 2 في المائة من الإنتاج الصناعي العالمي، وأن التجارة البينية الإفريقية لا تتجاوز 14.4 في المائة من إجمالي التجارة، ما يكشف ضعف الروابط الإنتاجية بين الدول وتشتت سلاسل القيمة. لذلك يضع التقرير صعود المغرب داخل مشهد قاري غير متوازن، حيث تتقدم بلدان شمال وجنوب إفريقيا في التصنيع وتعقيد الصادرات، بينما تحتاج مناطق أخرى إلى بنى تحتية ومعايير موحدة وتمويل أطول نفسا.
وتكمن أهمية هذا التصنيف بالنسبة للمغرب في أنه يعزز صورة البلاد كمركز إنتاج وتصدير لا كسوق استهلاكية فقط. فالصناعة المغربية باتت مرتبطة بشكل أوضح بسلاسل القيمة العالمية، خصوصا في السيارات والطيران، مع حضور متنام للموانئ والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية في جذب المستثمرين. غير أن الحفاظ على هذا الموقع سيظل رهينا بقدرة المغرب على رفع الإدماج المحلي، تكوين اليد العاملة التقنية، تعميق البحث والتطوير، وتوسيع استفادة المقاولات الوطنية الصغيرة والمتوسطة من الدينامية الصناعية.
ويأتي إبراز موقع المغرب في المؤشر في وقت تتزايد فيه المنافسة الإفريقية على الاستثمار الصناعي، خاصة مع إعادة ترتيب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع الطلب على القرب الجغرافي من الأسواق الكبرى. وبذلك لا يمثل الترتيب الجديد نهاية السباق، بل نقطة ضغط إضافية للاستمرار في تحديث الصناعة، تقليص كلفة الطاقة واللوجستيك، وربط التقدم الصناعي بمردودية اجتماعية واضحة من حيث فرص الشغل وجودة التكوين وقيمة الصادرات.
