حصيلة
العالم

"أرتيميس 3": رحلة الأسبوعين التي ستقرر متى تطأ أقدام البشر سطح القمر من جديد

أربعة رواد، ومركبتا هبوط عملاقتان من "سبيس إكس" و"بلو أوريجين"، وحملة إطلاق توصف بأنها الأكثر تعقيدا في تاريخ الصواريخ الثقيلة. هذه قصة المهمة المقررة نهاية 2027، من سلفتها التي حطمت رقم أبولو 13 القياسي إلى خليفتها التي ستهبط على القطب الجنوبي للقمر سنة 2028.

في قاعة مزدحمة بمركز جونسون في هيوستن يوم الثلاثاء 9 يونيو 2026، كشفت وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" (NASA) عن الوجوه الأربعة التي ستقود الفصل التالي من عودة البشرية إلى القمر: راندي بريسنيك قائدا، والإيطالي لوكا بارميتانو طيارا، وفرانك روبيو وأندريه دوغلاس متخصصين للمهمة. لن تهبط مهمة "أرتيميس 3" (Artemis III) على سطح القمر كما كان مخططا في الأصل، لكنها قد تكون أهم خطوة في الطريق إليه: أسبوعان في مدار أرضي منخفض، تلتحم خلالهما مركبة "أوريون" (Orion) ولأول مرة في التاريخ بنسختين تجريبيتين من مركبتي هبوط قمريتين، في بروفة شاملة وصفها مدير الوكالة جاريد إيزاكمان بأنها ستتطلب "أكثر حملات إطلاق الصواريخ الثقيلة تنسيقا في التاريخ".

الطاقم الرسمي لمهمة "أرتيميس 3"، من اليسار: أندريه دوغلاس، لوكا بارميتانو، راندي بريسنيك، فرانك روبيو (ناسا/بيل ستافورد)
الطاقم الرسمي لمهمة "أرتيميس 3"، من اليسار: أندريه دوغلاس، لوكا بارميتانو، راندي بريسنيك، فرانك روبيو (ناسا/بيل ستافورد)

السير الذاتية للطاقم تختصر تاريخ محطة الفضاء الدولية. بريسنيك، العقيد المتقاعد من مشاة البحرية بأكثر من 7000 ساعة طيران على 95 طرازا من الطائرات، قاد المحطة الدولية في البعثة 53 ويخوض رحلته الثالثة. بارميتانو، أول رائد من وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) يُسند إليه مقعد في برنامج "أرتيميس" على الإطلاق، سبق أن أصبح سنة 2019 أول إيطالي يقود المحطة الدولية. روبيو يحمل الرقم القياسي الأمريكي لأطول رحلة فضائية منفردة: 371 يوما متواصلة في المدار بين 2022 و2023، بعدما تحولت إقامته المقررة بستة أشهر إلى عام كامل إثر عطل في مركبة العودة. أما دوغلاس، مهندس الأنظمة الحاصل على أربع شهادات عليا والمنتقى ضمن دفعة 2021، فيخوض أول رحلة له، فيما يتدرب بوب هاينز، طيار مهمة "كرو-4" السابق، عضوا احتياطيا.

ولفهم لماذا تحمس عشاق الفضاء لمهمة لن تتجاوز مدار الأرض، يجب العودة قليلا إلى الوراء. آخر إنسان مشى على القمر غادره في ديسمبر 1972 مع "أبولو 17" (Apollo). وبعد نصف قرن، افتتحت "ناسا" برنامجها الجديد بمهمة "أرتيميس 1" غير المأهولة في نوفمبر 2022: 25 يوما ونصف يوم حلقت فيها "أوريون" حول القمر وابتعدت نحو 432 ألف كيلومتر عن الأرض. ثم جاءت اللحظة التاريخية في أبريل الماضي: "أرتيميس 2"، أول رحلة مأهولة تتجاوز المدار الأرضي المنخفض منذ 1972. بين 1 و11 أبريل 2026، دار ريد وايزمان وفيكتور غلوفر وكريستينا كوك والكندي جيريمي هانسن حول القمر، وحطموا رقم "أبولو 13" القياسي لأبعد مسافة يبلغها بشر عن الأرض بتسجيلهم 406,771 كيلومترا، والتقطوا نحو 10 آلاف صورة خلال تحليق دام سبع ساعات فوق الوجه البعيد للقمر، وشاهدوا كسوفا شمسيا كليا من الفضاء استمرت ظلمته 54 دقيقة.

"غروب الأرض" خلف الوجه البعيد للقمر، من الصور التي التقطها طاقم "أرتيميس 2" في 6 أبريل 2026 (ناسا)
"غروب الأرض" خلف الوجه البعيد للقمر، من الصور التي التقطها طاقم "أرتيميس 2" في 6 أبريل 2026 (ناسا)

لكن نجاح "أرتيميس 2" لم يخف مشكلة البرنامج الكبرى: مركبتا الهبوط القمريتان اللتان تطورهما "سبيس إكس" (SpaceX) و"بلو أوريجين" (Blue Origin) لن تكونا جاهزتين في الموعد. لذلك أعلن إيزاكمان في 27 فبراير 2026 إعادة هيكلة جريئة: تتحول "أرتيميس 3" من مهمة هبوط إلى مهمة اختبار في مدار الأرض، وينتقل شرف الهبوط الأول على القطب الجنوبي للقمر إلى "أرتيميس 4" سنة 2028. والمنطق هنا مستعار من حقبة أبولو نفسها؛ فقبل هبوط "أبولو 11" التاريخي، اختبرت مهمة "أبولو 9" سنة 1969 مركبة الهبوط القمرية في مدار الأرض حيث الخطر أقل وفرص الإنقاذ أكبر.

وفق الخطة المعلنة، سينطلق صاروخ "نظام الإطلاق الفضائي" (SLS) من منصة 39B بمركز كينيدي في فلوريدا نهاية 2027، حاملا "أوريون" وطاقمها إلى مدار منخفض على ارتفاع نحو 463 كيلومترا. وفي تفصيلة هندسية لافتة، سيستبدل الصاروخ مرحلته العليا الدافعة بـ"فاصل" خامل يُصنع حاليا في مركز مارشال بألاباما يحاكي أبعادها ووزنها دون قدرة دفع، لأن المهمة لا تحتاج دفعة الانعتاق نحو القمر، ولأن الوكالة تحتفظ بمرحلتها العليا الأخيرة المتوفرة لمهمة الهبوط المقبلة. وفي السيناريو الكامل، الذي تصوغه ناسا رسميا بعبارة "إحدى المركبتين أو كلتيهما" تحسبا لأي تأخير، تكون مركبة "بلو أوريجين" التجريبية قد سبقت الطاقم إلى المدار وانتظرته أسابيع، فتلتحم بها "أوريون" ويمضي الرواد نحو يومين موصولين بها يدخلون خلالها إلى المركبة ويختبرون أنظمة الدفع ودعم الحياة والاتصالات والواجهات البرمجية. ثم تنفصل "أوريون" لتنتظر ضيفها الثاني: نسخة استكشافية من "ستارشيب" (Starship) تلتقي بها ليوم من الفحوصات قبل أن يعود الطاقم للهبوط في المحيط الهادئ. وستختبر المهمة في طريق العودة درعا حراريا مطورا، بعد أن كانت دروع "أوريون" السابقة قد أثارت قلق المهندسين بتآكل غير متوقع في "أرتيميس 1".

خريطة برنامج "أرتيميس" كما نشرتها ناسا في فبراير 2026: "أرتيميس 2" حول القمر، ثم اختبارات "أرتيميس 3" المدارية في 2027، فالهبوط مع "أرتيميس 4" سنة 2028 (ناسا)
خريطة برنامج "أرتيميس" كما نشرتها ناسا في فبراير 2026: "أرتيميس 2" حول القمر، ثم اختبارات "أرتيميس 3" المدارية في 2027، فالهبوط مع "أرتيميس 4" سنة 2028 (ناسا)

الجانب الأكثر إثارة للمهووسين بالتقنية هو المركبتان اللتان ستلتحم بهما "أوريون". الأولى نسخة من "ستارشيب" التابعة لـ"سبيس إكس"، أضخم مركبة هبوط تُصمم في التاريخ: نحو 50 مترا من الارتفاع، أي بطول مسبح أولمبي، مقارنة بسبعة أمتار فقط لمركبة أبولو القمرية. وتعمل بمحركات "رابتور" التي تحرق الميثان والأكسجين السائلين، وتنقل روادها إلى السطح عبر مصعد، فيما ثُبتت محركات هبوطها عاليا على جسمها كي لا تنسف غبار القمر تحتها. ويتطلب وصولها إلى القمر مستقبلا إنجاز ما لم يُنجز من قبل: إعادة تزويدها بالوقود في المدار عبر ما بين 10 و16 رحلة صهريج فضائي، وهي تقنية بدأت "سبيس إكس" اختبارها فعليا منذ رحلتها التجريبية الثالثة في مارس 2024 حين نقلت آلاف الكيلوغرامات من الوقود فائق التبريد بين خزانين داخليين.

تصور فني لمركبة "ستارشيب" القمرية على سطح القمر، بارتفاع يناهز 50 مترا (سبيس إكس/ناسا)
تصور فني لمركبة "ستارشيب" القمرية على سطح القمر، بارتفاع يناهز 50 مترا (سبيس إكس/ناسا)

الثانية هي "بلو مون مارك 2" (Blue Moon Mark 2) من "بلو أوريجين" التابعة لجيف بيزوس، بارتفاع نحو 15 مترا وثلاثة محركات "BE-7" تعمل بالهيدروجين والأكسجين السائلين بقوة دفع تصل إلى 44 كيلونيوتن للمحرك مع قدرة على خفضها إلى أقل من الخُمس عند ملامسة السطح. والمفارقة أن النسخة التجريبية التي سيدخلها رواد "أرتيميس 3" ستكون مشتقة من الطراز الأصغر "مارك 1" مزودة بنظام دعم حياة فعال، فيما ستبقى نسخة "ستارشيب" الاستكشافية بلا نظام دعم حياة، ما يعني أن الطاقم سيكتفي بفحصها من داخل "أوريون".

تصور فني لمركبة "بلو مون" من "بلو أوريجين" على سطح القمر (بلو أوريجين/ناسا)
تصور فني لمركبة "بلو مون" من "بلو أوريجين" على سطح القمر (بلو أوريجين/ناسا)

وعلى الأرض، تتسارع وتيرة التحضيرات. المرحلة المركزية لصاروخ المهمة منتصبة في المبنى الشهير لتجميع المركبات بمركز كينيدي منذ وصولها على متن بارجة "بيغاسوس" في 27 أبريل، وقد وُصل قسم المحركات بها في 12 مايو تمهيدا لتركيب محركات "RS-25" الأربعة هذا الصيف، وهي محركات سبق أن حلقت جميعها على متن مكوكات الفضاء قبل تجديدها. وأكدت الوكالة يوم الثلاثاء أن جميع مقاطع الصاروخين المعززين الجانبيين باتت في كينيدي، وأن التجميع العمودي يبدأ خلال الصيف، فيما تُوصل وحدتا الطاقم والخدمة لمركبة "أوريون" في الفترة نفسها مع نظام الالتحام الذي سيحلق للمرة الأولى. وتبقى أمام المهندسين تحديات مفتوحة، من بينها الاتصالات: فالمهمة لن تستخدم شبكة الفضاء العميق التقليدية، وقد طلبت الوكالة من الصناعة حلولا بديلة، إضافة إلى قرارات لم تُحسم بعد حول اختبار بدلة "AxEMU" القمرية التي تطورها "أكسيوم سبيس" بمشاركة دار الأزياء الإيطالية "برادا".

المرحلة المركزية لصاروخ "أرتيميس 3" داخل مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي، 12 مايو 2026 (ناسا/كيم شيفليت)
المرحلة المركزية لصاروخ "أرتيميس 3" داخل مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي، 12 مايو 2026 (ناسا/كيم شيفليت)

وما هو مرسوم على الورق يتجاوز مهمة الهبوط ذاتها. فالقانون الذي وقعه الرئيس الأمريكي في يوليو 2025 خصص تمويلا يضمن استمرار صاروخ "نظام الإطلاق الفضائي" ومركبة "أوريون" حتى "أرتيميس 5" على الأقل، وتتحدث الوكالة عن "قاعدة قمرية" دائمة وعن أجهزة علمية ستنشر على السطح لقياس الزلازل القمرية وزراعة نباتات في بيئة القمر، وصولا إلى الهدف المعلن مرارا: استخدام القمر منصة تدريب للرحلة المأهولة الأولى نحو المريخ. يبقى أن تاريخ البرنامج يدعو إلى الحذر في قراءة المواعيد؛ فالهبوط الذي حُدد يوما في 2024 انزلق إلى 2025 ثم 2026 ثم 2027 قبل أن يستقر مبدئيا عند 2028، وقد أُرجئ موعد "أرتيميس 3" نفسها في 30 أبريل الماضي من مطلع 2027 إلى نهايتها بسبب تأخر المركبتين التجريبيتين. لكن شيئا واحدا تغير جوهريا منذ أبريل: لم يعد السؤال نظريا. هناك صاروخ يُجمع في فلوريدا، وطاقم يبدأ تدريبه هذا الأسبوع، وسباق بين شركتين عملاقتين على شرف إنزال البشر على القمر من جديد.